هل أنكر حسن البنا المهدي المُنتظر؟
الشيخ عصام تليمة يجيب 2014-06-21 09:23:22
1403364154.jpg
الإمام حسن البنا

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: بداية جزاكم الله خيرا على هذا الجهد الجبار الرائد الذي ينير للأمة كل يوم نورا وأملا في غد مشرق بإذن الله. موضوع استشارتي حول موضوع إنكار الإمام حسن البنا للمهدي، ومدى صحة ذلك، حيث احتج البعض بقوله في كتاب (حديث الثلاثاء) لحسن البنا، تسجيل وإعداد أحمد عيسى عاشور (ص 108) قال حسن البنا ما نصه: "فمن حسن الحظ: لم نر في السنة الصحيحة ما يثبت دعوى المهدي، وإنما أحاديثه تدور بين الضعف والوضع".

 

وسؤالي ليس حول مدى صحة أحاديث المهدي وضعفها، ولكن هل صحيح أن الشيخ البنا أنكر المهدي؟هذا هو السؤال. وقد تم مناقشة هذا الموضوع على هذا الرابط.


وجزاكم الله خيرا على جهدكم وتقبل الله منا ومنكم


الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:


سؤالك يا أخي يتطلب أن نتناول عدة قضايا، وهي كالتالي:


أولا: هل يعبر الكلام الشفهي عن رأي العالم أم لا؟ وما مدى هذا التعبير؟


ثانيا: هل أنكر البنا المهدي صراحة أم لا، فيما تحت أيدينا من تراثه وعلمه؟


ثالثا: من أين استقى البنا رأيه، وممن نقله، إن كان له رأي؟


رابعا: هل قضية المهدي من قضايا العقيدة، أم لا؟


خامسا: مجال قول البنا لهذه المقولة، ولماذا قالها، وماذا يريد بها؟


أولا: أحاديث الثلاثاء، هي عدد من الأحاديث التي كان يلقيها الإمام البنا في المركز العام للإخوان المسلمين كل يوم ثلاثاء، وكان يكتبها وراءه الشيخ أحمد عيسى عاشور، وكان ينشرها ببعض التصرف، وبقدر ما تسعفه يده، وتلتقطه وأذنه من كلمات وعبارات الإمام البنا، وقد رأيت أحد تلامذة الأستاذ البنا ممن كانوا يحضرون حديث الثلاثاء، وهو صاحب ذاكرة حديدية، يقف عند كل حديث من أحاديث الثلاثاء، ويقول: نسي الشيخ أحمد عيسى عاشور هنا عبارة كذا قالها الإمام البنا، ونسي كذا.


كما أن من المعلوم: أن هناك فرقا بين مقام الكتابة ومقام الخطابة المرتجلة، حتى وإن سبقها إعداد وتحضير، فمقام الحديث المرتجل ـ أيا ما كان ـ فيه ما فيه من سبق اللسان، وقد يغيب عن الإنسان معنى يحب أن يذكره في المقام ولكن الذاكرة لا تسعفه به، على خلاف مقام الكتابة، فهو مقام أوثق وأرحب، وأدعى للتأني والروية أكثر من مقام الارتجال، ولا ننس يا أخي أن أسلوب الخطيب يختلف كثيرا عن أسلوب الكاتب، الخطيب يتحدث فلما يتحدث يسخن سخونة يشعر بها من يسمعه، وقد يتكلم فيستثار فيخرج الكلام بما لا يرغب فيه، ولما تهدأ سورته، وينزل من موقف الخطابة والتكلم إلى موقف التأني والتريث والكتابة، قد يجد نفسه يحتاج إلى مراجعة نفسه، وكثيرا ما روجع الإمام البنا وهو يخطب في أشياء وتراجع عنها، فقد حكى لي شيخنا الشيخ عبد المعز عبد الستار: أن الشيخ المرحوم محمد الحامد عالم سوريا المعروف، أخذ على البنا في حديث الثلاثاء بعد سماعه له عدة مرات: ما يقرب من ثمانية عشر خطأ، كلها أخطاء علمية، وأرسلها للبنا مكتوبة، فاعترف الأستاذ البنا له بمعظمها، وقال ذلك علنا أمام الناس في حديث الثلاثاء، وتراجع عما اقتنع به.


كما أن البنا لم يكن في مقام الإفتاء والبحث والتدقيق، إنما كان في مقام الوعظ والتذكير.


هذا عن رأيي الشخصي عن أي كلام ينقل عن أي شخص، يكون في مقام الارتجال، وبعيدا عن الكتابة المتريثة، وهو أمر وارد في كثير من العلماء، لو رحت أ حصيه لك لأحصيت لك عددا من القضايا لا آخر لها.


ثانيا: هل أنكر البنا المهدي أم لا؟ لقد بحثت يا أخي فيما كتبه الإمام البنا، فلم أجد مقالا أو سطرا واحدا مكتوبا للبنا حول المهدي وظهوره، ينبئ عن رأي البنا حول المهدي، فليس له أي ذكر عن (المهدي) في رسائله، ولا في (مذكرات الدعوة والداعية) وكذلك بحثت في مقالاته التي كتبت ولم تجمع، بداية من مجلة (جريدة الإخوان المسلمين) التي صدرت عام 1352هـ ـ 1932م، نهاية بمجلة (الشهاب) وجريدة (الإخوان المسلمون)، مرورا بكل الدوريات والمجلات التي كتب فيها البنا، فلم أجد، حتى المجلة التي كتب فيها  البنا بحوثا في الفقه، وأجاب عن أسئلة القراء لم أجد، فقد تولى  الأستاذ البنا الكتابة في الفقه والفتوى، في ثلاث مجلات: الأولى: مجلة (جريدة الإخوان المسلمين) وهي أول مجلة إخوانية على الإطلاق، والثانية: مجلة (النذير) الصادرة في عام 1939م وقد كان يكتب فيها بعض الفتاوى، وإن كان خط المجلة العام يعنى بالأمور السياسية والدعوية، والثالثة: مجلة (المنار) والتي تولى رئاسة تحريرها في عام 1939م ـ 1940، ولم يصدر منها سوى ستة أعداد، تولى فيها الإجابة عن أسئلة القراء، ولم أر في أي دورية من هؤلاء أي كلام للبنا عن المهدي.


أما قول البنا: (فمن حسن الحظ لم نر في السنة الصحيحة ما يثبت دعوى المهدي ، وإنما أحاديثه تدور بين الضعف والوضع) فليس معناه: أن البنا أنكر المهدي، بل هو تقرير لما قرأه من نقد لأحاديث المهدي، وحتى لو كان رأي البنا إنكار نزول المهدي، فهو ليس بدعا في ذلك، فقد سبقه لذلك عدد كثير من العلماء الأثبات، إن كان هذا رأيه. فقضية المهدي ليست من قضايا العقيدة، التي بها يكفر منكرها، ولا حتى يفسق، ما دام العالم قد رأيه على اجتهاد منه وبحث وتحري عن الحق، وقد رأينا عائشة رضي الله عنها تنكر أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك إنكارا منها للسنة، بل اجتهادا منها، كقضية تعذيب الميت ببكاء أهله، وردها على ذلك بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وكتب في ذلك الإمام الزركشي كتابه (الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة) وقضية التبول واقفا، وإنكارها ذلك، رغم ما صح عن حذيفة بن اليمان أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يبول واقفا على سباطة قوم.


ولِمَ أذهب بعيدا يا أخي، فهناك قضية في القرآن وليست كقضية المهدي، اختلف فيها العلماء اختلافا بينا، وكانت معركة بين أنصار السنة والأزهر في مصر في فترة من الزمن، وذلك عندما تبني الأزهر ـ  ممثلا في شيخه الشيخ محمود شلتوت ـ قضية (وفاة المسيح عليه السلام) قبل رفعه، مستندا في ذلك إلى قوله تعالى: (إني متوفيك ورافعك إلي) ورد عليه من رد من العلماء، وهذه قضية وردت في القرآن، إلا أن الاختلاف في معنى التوفي، هل هي وفاة بمعنى الموت، أم أنها توفي بمعنى موافاته حقه.


ثالثا: أما كلامه عن ثبوت أحاديث المهدي فهو فيه ناقل عن أحد رجلين: الأول: شيخه ومعلمه ووالده العلامة الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بـ (الساعاتي) محقق وشارح ومبوب مسند الإمام أحمد المسمى بـ (الترتيب الرباني)، وهو عالم محدث معروف.


والثاني: هو العلامة المجدد محمد رشيد رضا، فقد كان البنا متأثرا به تأثرا شديدا، وبخاصة بمدرسته (المنار) وقد نقل هذا التخريج أيضا عن تفسير الشيخ رشيد رضا، فقد تعرض لقضية المهدي في المجلد (التاسع) من تفسير المنار.


وأيا ما كان مصدر النقل، فلم يكن البنا معنيا بتخريج الأحاديث، إلا عندما يتعرض لقضية فقهية يؤصل لها، وهو في هذه الحالة كذلك يكون ناقلا، فالمحقق المنصف الذي يطلع على تراث الأستاذ البنا يدرك بوضوح ضعف الأستاذ البنا في علم الحديث تخريجا،  ولكنه كان هنا في مقام الوعظ والدعوة للعمل للإسلام.


رابعا: كما أسلفت لك: إن قضية المهدي ليست من قضايا العقيدة، فهي ليست من أساسيات العقيدة التي وردت في كل أحاديث الاعتقاد، وهي موضع خلاف، وإن كان هناك من الباحثين من يدخل قضية المهدي في مجال العقيدة، وبالرغم من ذلك فقد كان للإمام البنا منهج معروف في تناول العقيدة، وهو منهج يبتعد عن التكلف، والكلام الذي لا يقوي إيمانا، ولا يرقق قلبا، ولذلك يقول الأستاذ البنا عن منهجه في تناول مثل هذه القضايا أنه يعتمد على أمرين أساسيين:


(أولهما: الاعتماد على طريقة القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم في توصيل العقائد الدينية إلى النفوس واستيلائها على المشاعر والقلوب بدون تعمُّق في الألفاظ وتشعُّب في البحوث، أو إيراد للآراء والمذاهب، أو خوض في مصطلحات الفلاسفة والمناطقة والكلاميين والجدليين، وتلك طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم.


وثانيهما: العناية ببيان آثار هذه العقائد في النفوس، ليعلم القارئ: أين نفسه من درجة استيلاء العقيدة الإسلامية عليها؟ فإن كانت متأثرة بها حمد الله على نعمته، وإن كانت هذه الآثار ضعيفة في نفسه عمل على علاجها وتقوية إيمانها، فقد كانت العقائد عند أسلافنا عواطف مستقرة في القلوب والمشاعر، مستوليةً على النفوس، فلما أن صارت عندنا جدلاً وكلامًا أضعف إيمان الأمة، وتسرَّب إلى دينها الخلل والوَهْن).[1]


 خامسا: أما مجال مقولة الإمام البنا هذا الكلام عن المهدي، فهو مجال العمل وعدم الانتظار، فقد كان المسلمون في ذلك الوقت على المستوى السياسي يكسلون عن العمل، وينتظرون ملهما سياسيا يخلصهم مما هم فيه من احتلال، وعلى المستوى الديني: ينتظرون (مهديا) أو (مجددا) واحدا، تبعثه العناية الإلهية، ليقوم عن الناس بإصلاح ما أفسد الدهر!


 وهذه الفكرة كانت سائدة عند المسلمين وغير المسلمين، ولكن غاظ الإمام البنا أن تخلص منها غير المسلمين، بينما وقف المسلمون منتظرين.


فقد كان اليهود ينتظرون (قدوم مسيح) ترسله السماء، ليخرجهم من الشتات والضياع، ويقيم لهم ملك إسرائيل الموعود.


 وظلوا قرونا ينتظرون هذا المسيح الموعود، حتى ظهرت الحركة الصهيونية العالمية، لتقوم هي بدور المسيح، وتعد العدة لإقامة ملك إسرائيل، وأمكنها أن تحقق الحلم في فلسطين.


 حتى الشيعة الاثنا عشرية ظلوا اثني عشر قرنا، ينتظرون عودة (الإمام الغائب) الذي يملأ الأرض عدلا، كما ملئت ظلما وجورا، يقيم لهم الدولة التي طالما حلموا بها، وكان كل ما يصنعون أن يدعوا الله له في صلواتهم وخطبهم: أن يفرج الله عنه، ويرد غيبته.


 ثم تغير تفكيرهم، حين خرج الإمام الخميني يدعو إلى ما سماه (ولاية الفقيه) نيابة عن الإمام، ومضى العمل جادا دائبا حتى قامت الثورة الإسلامية، والجمهورية الإسلامية.


أما المسلمون من أهل السنة، فقد وقفوا ينتظرون المهدي الذي يملأ الأرض عدلا، بعد أن ملئت جورا، ويسمونه (المهدي المنتظر). فهم يرتقبون ظهوره، ليحل العقد المزمنة، ويعالج المشاكل العويصة، ويحارب الأعداء الأقوياء، ويحرر الأمة من ظلم الحكام، وحكم الظُّلاَّم.


فكان البنا يريد من الناس آنذاك الثورة على نظام (الانتظار)، لتخرج إلى العمل والعطاء المتواصل.


إن الانتظار لخروج المهدي يا أخي: أمر سلبي لا يغير من الواقع شيئا، فلا بد من عمل إيجابي، وهذا ما عناه الإمام البنا بكلامه، فهو يريد الانتقال من الجدال والكسل إلى التوحد والعمل، في وقت فيه كل القوى تتجمع وتعمل، ولذا أصدر رسالته المعروفة: (نحن قوم عمليون).


هذا ما لدي حول موقف البنا من المهدي، وسبب مقولته التي ذكرت.


والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

 



[1] نشرت في مجلة (جريدة الإخوان المسلمين) الأسبوعية في العدد الأول من السنة الأولى الصادر في يوم الخميس  الموافق 2من صفر سنة 1352هـ .