هل الجيش المصري كله خونة؟!
تأليف الشيخ: عصام تلّيمة 2015-11-21 08:05:14
1448116948.jpg

نغمة بات يرددها بعض من يعارضون الانقلاب العسكري في مصر، وهو أن الجيش المصري كله خونة، وأنهم عسكر فاسدون، ولا خير في أحد منهم، ولو كان فيهم أي شريف فأين هو؟ مستدلين على ذلك، بأحداث من الواقع، ونصوص دينية للأسف تلوى أعناقها، دون إلمام بالموضوع من جل جوانبه في إطار تناول علمي دقيق.

فمن أحداث الواقع التي يستشهد بها أصحاب هذا التوجه، ما حدث في رابعة والنهضة، وغيرهما، وأن القرآن عندما تحدث عن فرعون، جمعه مع جنوده، فقال تعالى: (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)، وينسى أصحاب هذا التوجه أن الآية ذكرت جنود فرعون وهامان، الموافقين له، والمشاركين، بينما لم تعمم كل رجال فرعون وهامان، فقال القرآن الكريم نفسه عن رجل في قصر الحكم، قال تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله)، فأين نضع هذا الرجل المؤمن المخلص الذي يخفي إيمانه بالحق؟! هل مع جنود فرعون؟ أم أن القرآن بين أن من الناس من ينفع الحق وأهله بتخفيه، فكم في هذا الجيش من لا يقبل بما يحدث، لكنه لا يجد من يعينه، أو لا يجد عددا يحتمي به، فلماذا لا نحرص على تنمية هذا العنصر المحب لمصر، والكاره للظلم، بدل أن نضعهم جيمعهم في سلة واحدة؟!

أما أحداث رابعة والنهضة، فكم تعداد الجيش المصري، إنه مئات الآلاف، وكم شخص شارك في عمليات القتل، وخطط، ونفذ؟ بضع عشرات، أو بضع مئات، فكيف أحكم على كل المجموع بالخيانة؟ وقد وصلتني أسئلة بعد فض رابعة من أناس من الجيش شاركوا في الفض، ولكن منهم من لم يقتل، بل ألقى قنابل غاز فقط، وأعرف شخصيات بعينها، في يوم مسجد الفتح يوم السادس عشر من أغسطس بعد الفض بيومين، دخل الجنود لقتل مجموعة من الإعلاميين، فأمرهم أحد الضباط بعدم الضرب، والضابط والإعلاميون الناجون كلهم من مؤيدي الشرعية؟! وعندي أحداث مماثلة في هذا المضمار كثيرة، ومن زوجات ضباط كبار في الجيش، سألوني هل يطلبن الطلاق، وأنهن قطعن علاقتهن بأزواجهن، وحرمن أموالهن، ولولا مخافة الوضع الاجتماعي لانفصلن، ومعظمهن من سكان منطقة رابعة.

ومخالفتي لهذا التوجه الذي يحكم على الجيش كله بالفساد والخيانة لعدة أمور، معظمها شرعي ديني، فالإسلام لا يقبل مبدأ التعميم، فلا يوجد في الكون فئة أو فصيل، أو مهنة، شر كلها، وخائنة كلها، ولا خير فيها، فالقرآن الكريم يعلم المسلم مبدأ الإنصاف، والدقة في الحكم، وعدم التعميم في الرأي، يقول تعالى عن اليهود وقد كان تاريخهم مع المسلمين تاريخا مملوءا بالخيانات، ومع ذلك قال تعالى: (ليسوا سواء) أي ليسوا جميعا على خلق واحد، وقال تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما) و(من) في اللغة للتبعيض، وكل (ومن) في القرآن هي تشير لبعض مقابل كل

وهو نفس المنهج الذي تعامل به الرسول صلى الله عليه وسلم، مع صناديد الشرك والظلم، فقد رأى في بعضهم خيرا ربما يكون مدخلا لإيمانه وهدايته، فقال: "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين" إشارة إلى أبي جهل (عمرو بن هشام) وإلى عمر بن الخطاب، وكلاهما كانا من أشد الكفار تنكيلا بالمسلمين، فهل غفل النبي صلى الله عليه وسلم عما فيهما من خير، مقارنة بشرهما؟! إنه يعلم أن السبب وراء حقد وبغض وبطش أبي جهل ليس سببا دينيا، بل كان سببا نفسيا، فقد قال أبو جهل عن سبب عدائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، سقوا فسقينا، أطعموا فأطعمنا، قالوا: منا نبي، فأنى لنا بها؟! أي أن المسألة حقد طبقي عائلي بين العائلتين، فاصطبغ هذا الحقد بالشرك المتأصل في بيئته.

بل إن الواقع يكذب هذا التوجه، فأين نضع (26) ضابطا من الجيش حوكموا مؤخرا، بمخالفتهم للسيسي؟! ويقينا يوجد غيرهم، لا يقبل بما يحدث، نعم أعلم أن في الجيش قيادات فاسدة، لكن هل من الإنصاف الحكم على الجميع بما يفعله القيادات؟! وهل هذا مدخل صحيح لإصلاح هذا الكيان، أو القضاء على الفاسدين فيه، إننا بكلامنا هذا نجمع الصالح بالطالح، ونجعلهم يتضامنون معا ولو على الباطل، وهو ما يخالف الشرع الإسلامي الذي يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تعينوا الشيطان على أخيكم"، وقد رأينا أن بعض الناس يدافع عن كيانه المنتمي إليه إذا هاجمه أحد من خارجه، أو حكم على المجموع بأخطاء جزء منه، فرأينا قضاة شرفاء، انتفضوا عندما أراد البرلمان المصري مناقشة أمر القضاء، ورأينا المستشار طارق البشري يدافع بحمية شديدة عن عبد المجيد محمود النائب العام أيام مبارك والمجلس العسكري، وما دفعه لذلك إلا العصبية المهنية، وهو ما يوجد في كل مهنة، وفي النظام العسكري أكثر، فرأينا أحمد مظهر وهو فنان مصري كان من الضباط الأحرار واتجه للفن، يرفض أداء دور في فيلم (الكرنك) لأن الفيلم يهاجم عبد الناصر، وعبد الناصر دفعته في العسكرية.

الصواب هنا: أن نبحث عن مساحة المخلصين فنسعى لزيادة رقعتها، ونحصر الفاسدين بهم للقضاء عليهم، لا أن نكون حمقى في تجميع خصومنا، بمن فيهم من نرجو منه الصلاح، فقليلا من الحنكة، أو لنلزم الصمت
.