جمال الدين الأفغاني والإصلاح السياسي
تأليف: الشيخ عصام تلّيمة 2014-06-30 02:27:58
1404117018.jpg
جمال الدين الأفغاني

جمال الدين الأفغاني شخصية يصدق عليها قول القائل: ملأ الدنيا، وشغل الناس، فهو شخصية شغلت الباحثين في عصره حيا، وبعد وفاته، فهو الرجل الذي أقض مضاجع الطغاة، وألهب النفوس والعواطف، وكان له فضل كبير في تفتح كثير من عقول المصلحين من بعده، وقطع أشواطا هائلة في مسيرة الإصلاح الديني والسياسي، مما مهد المناخ لمن بعده لبذر بقية بذور الإصلاح، بل وجني بعض ثماره، ولذا ليس غريبا أن يكون معظم رواد الإصلاح من بعده من تلامذته المباشرين، أو ممن تأثروا بمدرسة الرجل الفكرية، من أمثال: محمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي، والمراغي، وشلتوت، وحسن البنا، وغيرهم كثير.


يقوم مشروع جمال الدين الأفغاني في الإصلاح على أركان أربعة: أولها: الالتزام بمبادئ الإسلام، والاقتداء بسلف الأمة. والثاني: تحرير الأمة من الاستبداد الداخلي والخارجي. والثالث: توحيد الأمة في جامعة إسلامية. والرابع: الأخذ بأسباب القوة من العلوم والنظم الغربية.


وسوف أركز في كلمتي عن جهود الأفغاني رحمه الله في الإصلاح السياسي، وأهم المرتكزات الفكرية التي قام عليها مشروعه السياسي، وأجملها في ركيزتين اثنتين، يتفرع عنها كثير من الركائز الفرعية، أولهما: تحرير إرادة الأمة الفردية والجماعية، وثانيتهما: العمل على وحدة الأمة.


أولا: تحرير إرادة الأمة:

الركيزة الأولى التي نلحظها في مشروع الإصلاح السياسي عند جمال الدين الأفغاني، هي: تحرير إرادة الأمة، سواء على مستوى الأفراد والجماعات، فقد كان تحرير إرادة الفرد عند الأفغاني مطلبا ملحا بالدعوة إلى تصحيح الفهم لقضية القضاء والقدر، هذا الفهم الذي أدى إلى أن يعتقد المسلم في عهود التخلف والركود أنه محكوم في إرادته بما يرسم له مسبقا، فهو في ذلك مسلوب الاختيار، وبالتالي فإنه يتبع الأحداث، ولا يصنعها، وليس له فيها أي يد أو دور، وترتب على ذلك أن قلت حركته وسقط في فخ التواكل.


واتبع الأفغاني في تصحيح هذا الفهم أسلوب المواءمة بين القضاء والقدر من جهة، وبين اختيار الإنسان من جهة أخرى، فهما أمران متكاملان لا متناقضان. فقضاء الله وقدره ثابتان، ولكن مع الإيمان بهما فإن الإنسان يشعر بأنه مختار لما يريد، ويلاحظ ذلك في نفسه وغيره، إذ هو ليس مطلعا على الغيب المقضيّ به، والإيمان بالقضاء والقدر يكسب الإنسان المسلم الانطلاق والجرأة، ويحرره من الخوف على النفس، أو الرزق، أو التشريد والمصادرة، ويحرره من الوهن واليأس والقعود، والاستسلام للأمر الواقع بدعوى التسلم بالقضاء والقدر، بل عليه التخطيط لمستقبله والخروج من أزمته وهذا هو التوازن الذي نادى به الأفغاني في مخاطبة الفرد المسلم كي يتحرر من هذه الأوهام.


أ ـ على مستوى العلماء:

وقد بدأ الأفغاني في تحرير إرادة الأمة أفرادا عن طريق العلماء بداية، فتواصل مع علمائها، وركز على قادتها، والمؤثرين في توجههم، فقد لاحظ الأفغاني أن الإنجليز بدأوا يمهدون لاستعمار إيران، وكثير من بلاد المسلمين، فأراد قطع الطريق عليهم، فوجه خطابا إلى أكبر رمز ديني في إيران، وإلى جميع علمائها، يقول فيه:


(إن هذا الكتاب خطاب إلى روح الشريعة المحمدية أينما وجدت، وحيثما حلت، وضراعة تعرضها الأمة على نفوس زاكية تحققت بها، وقامت بواجب شؤونها كيفما نشأت، وفي أي قطر نبغت، ألا وهم العلماء فأحببت عرضه على الكل وإن كان عنوانه خاصًّا .


وإن الأمة قاصيها ودانيها، وحضرها وباديها، ووضيعها وعاليها قد أذعنت لك بهذه الرئاسة السامية الربانية، نعم لا برهان للعامة فيما دانوا إلا استقامة الخاصة فيما أمروا، فإن وهن هؤلاء في فريضة، أو قعد بهم الضعف عن إماطة منكر لاعتور أولئك الظنون والأوهام ، ونكص كل على عقبيه مارقًا من  الدين القويم ، حائدًا عن الصراط المستقيم .


لقراءة البحث كاملاً، اضغط هنا