الإمام البنا والعمل الطلابي
تأليف: الشيخ عصام تلّيمة 2014-06-29 05:57:04
1404043075.jpg

الطلبة وقود الجماعة


آمن الإمام البنا في دعوته بأن الطلبة هم وقود هذه الدعوة، ولذا كان تركيزه الدائم على النهوض بهم، والرقي بمستواهم الدعوي، ودوام العناية بهم، وبكل ما ينهض بحالهم العلمي والدعوي، ولذا عقد كثيرا من المؤتمرات لهم، بل أصدر رسالة خاصة بمؤتمر خاص عقد للطلبة، وهي رسالة: (في مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين) وتعتبر رسالة (إلى الشباب) كذلك موجهة إلى الطلاب، فما الطلبة إلا مرحلة من عمر الشباب، ومرحلة خصبة ومهمة.


كما خصص الإمام البنا في أول مجلة للإخون (مجلة جريدة الإخوان المسلمين) الأسبوعية، والتي صدرت سنة 1932م، بابا خاصا للطلبة، يحرره الطلبة، واستكتب الإمام البنا عددا من الطلاب، الذين صاروا فيما بعد دعاة مبرزين، من هؤلاء: الطالب: محمد عبد الحميد أحمد، والطالب: محمد جمال الفندي (دكتور في كلية علوم القاهرة فيما بعد قسم الفلك). والطالب: علي سامي النشار (دكتور في كلية آداب قسم فلسفة فيما بعد). والطالب عبد الحكيم عابدين (الشاعر والقيادي الدعوي المعروف فيما بعد).


بل إن أول شعبة للإخوان خارج مصر تكونت عن طريق الطلبة الذين كانوا يدرسون في الأزهر، وتكونت في دولة جيبوتي، سنة 1932م، وكذلك تكونت الجماعة في عدد من الدول العربية عن طريق الطلبة، ففي العراق عن طريق الطالب: محمد محمود الصواف (العالم المعروف فيما بعد). وفي سوريا: عن طريق الطالب: محمد الحامد (العالم المعروف فيما بعد)، والطالب: مصطفى السباعي (الدكتور فيما بعد وأول مراقب عام للإخوان في سوريا)، والطالب: عبد الفتاح أبو غدة (العلامة المحقق فيما بعد)، وغيرهم كثير لا يحصى ولا يعد، وفي أوروبا كذلك انتشر فكر الإخوان عن طريق الطلبة الذين يدرسون بالخارج، من مثل: ومحمود حمدي الجريسي (دكتور فيما بعد وكان يدرس في إيطاليا). والطالب محمود عزت في فرنسا، والذي أعطى ورقة (عقيدتنا) إلى عالم الأديان الفرنسي (رينان) وكتب مقالا في ذلك عن عقيدة الإخوان المسلمين، باللغة الفرنسية، كان مما قاله: . وقد كتب البنا مقالا في افتتاحية المجلة يشيد بما كتبه الرجل، وبجهد الطالب الإخواني الذي مده بالرسالة.


خصائص مرحلة الطلب


تمتاز مرحلة الطلب عند الشباب بعدة خصائص، تتميز بها عن غيرها من بقية مراحل العمر، ومنها:


1ـ الحيوية والنشاط: فالطالب يمتاز في هذه المرحلة بالحيوية، والنشاط الدائم، حيث بداخله الطاقة والصحة، وهما ما ورد فيهما الحديث النبوي الشريف: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". والنعمتان متوافرتان في الشباب، وبخاصة الطلبة.


2ـ القابلية والاستجابة: وكذلك يمتاز في هذه المرحلة العمرية، بأن لديه القابلية لتلقي الأفكار، والاستجابة للإيمان بها، والعمل لها، والتفاني فيها، والذود عنها.


3ـ صفاء الذهن: فلم يعكر ذهنه كدر مشكلات الحياة، ولا ملوثات التعامل مع فئة غير الطلاب، الذين تقل مشكلاتهم.


4ـ خلو باله من المسؤوليات المعيشية: فهو ليس مطالبا بتحمل نفقات حياته عندئذ، مما يعطيه بحبوحة من التحرك، ولا يطارده التفكير في البحث عن شقة للزواج، ولا البحث عن عروس، ولا تعقيدات الحياة اليومية التي تحتل ـ ولا شك ـ مكانة كبرى من تفكير الشاب الذي انتهى من مرحلة الدراسة.


5ـ الميل للإبداع والتجديد: وهذه المرحلة من العمر تجعل الطالب يميل إلى الإبداع، وكثرة العروض الدعوية، والبحث عن كل وسيلة جديدة في شؤون الحياة، أو شؤون الدين إن شغلناه بالعمل للدين.


6ـ كثرة الأسئلة وحب الاستطلاع: فالطالب كثير الأسئلة، عنده شغف بالمعرفة لكل ما هو جديد، وبخاصة في شؤون الدعوة والحركة، والتيارات الفكرية التي تمور بها الحياة من حوله، وعنده حب الاستطلاع، لكل شيء من حوله، فمن مسؤول العمل الفلاني، ومن هي الجماعية الفولانية، وهكذا.


7ـ الحيرة والاضطراب في اختيار الطريق: فهو في حيرة من أمره، تتنازعه مسالك فكرية متنوعة، وتشتبك كلها مع بعضها، ويصل في كثير منها إلى الحيرة والاضطراب، وعدم الوصول إلى بر أمان فكري.


8ـ التشكك وسوء الظن: وهذا غالبا في الطلبة الذين يسكنون في المدينة الجامعية، فهو غالب ظنه يظل دوما يبحث عمن من الطلبة يتبع الأمن، ومن ينبغي عليه الحذر منه، وهذا التشكك وسوء الظن يحتل مساحة ليست قليلة من فكر الطالب الجامعي وبخاصة في السنة الأولى منها.


9ـ التعصب للمبادئ والأفكار: وهي فترة تتسم بتعصب الشباب للمبادئ والأفكار، ونادرا ما يميل للحوار، الذي يقارع الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، فهو إذا اقتنع بفكرة لا يقبل أن تطرح عليه فكرة أخرى، إلا إذا كان من يملك التنظير للفكرة الأخرى لديه قابلية عنده حتى يستمع إليه.


10ـ غلبة العاطفة على العقل: فهو لا شك تغلبه عاطفته على عقله، فكثيرا ما يندفع وراء التصرف العاطفي، أكثر من حسابه بالعقل الراجح، ولذا كثيرا ما تصرف الطلبة تصرفات فيما بعد عندما يعيدون التفكير فيها يجدون أنفسهم قد جانبهم الصواب، وكانوا عاطفيين أكثر من اللازم.


منهج البنا في التعامل مع الطلبة


كان للإمام البنا رحمه الله منهج في التعامل مع الطلبة جدير بأن يدرس ويناقش، وقد حاولت استقصاء منهجه وكيفية تعامله مع الطلبة، من خلال ما سرد من قصص له في التعامل معهم، ومن خلال كتابات الأستاذ البنا نفسه، والخطابات التي كانت بينه وبين الطلبة. وقد يرى غيري نقاطا أخرى غير ما رأيت، وقد حاولت قدر طاقتي وفهمي فرأيت هذه المبادئ والمنهجية في تعامله مع هذه الشريحة الدعوية؛ شريحة الطلبة، وقد كان منهجه يقوم في التعامل معهم على:


1ـ التربية المنفتحة: ربى الإمام البنا الطلبة على جو الانفتاح، سواء الانفتاح الثقافي، أو الانفتاح العام، فقد كان رحمه الله يرسل كثيرا من أبناء الجماعة الطلبة الجامعيين إلى صالون الأستاذ محمود شاكر، وكثيرا ما دارت بينه وبين شباب الإخوان من الطلبة نقاشات طويلة. وكذلك كان يرسل الطلبة إلى صالون الأستاذ عباس محمود العقاد، على ما بين المفكرين الكبيرين والإخوان من خلاف فكري شديد آنذاك.


2ـ تربية شفافة: فليس هناك غموض، أو عدم وضوح، فقد وضع البنا وسيلة للتربية لها مكانتها وبرامجها في جماعة الإخوان المسلمين، وهي (الأسرة) وجعل من الأمور التي من حقوق الأفراد على بعضهم بعضا: النصح والتسديد، والنقد البناء، وقد جعل لهذا البناء التربوي أركانا ثلاثة: التعارف، والتفاهم، والتكافل، فقال عن الركن الثاني منها: التفاهم: (وهو الركن الثاني من أركان هذا النظام, فاستقيموا على منهج الحق، وافعلوا ما أمركم الله به، واتركوا ما نهاكم عنه، وحاسبوا أنفسكم حسابا دقيقا على الطاعة والمعصية, ثم بعد ذلك لينصح كل منكم أخاه متى رأى فيه عيبا، وليقبل الأخ نصح أخيه بسرور وفرح، وليشكر له ذلك, وليحذر الناصح أن يتغير قلبه على أخيه المنصوح بمقدار شعرة, وليحذر أن يشعر بانتقاصه, أو بتفضيل نفسه عليه, ولكنه يتستر عليه شهرا كاملا, ولا يخبر بما لاحظه أحدا إلا رئيس الأسرة وحده إذا عجز عن الإصلاح, ثم لا يزال بعد ذلك على حبه لأخيه وتقديره إياه مودته له, حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا, وليحذر المنصوح من العناد والتصلب، وتغير القلب على أخيه الناصح قيد شعرة، فإن مرتبة الحب في الله هي أعلى المراتب، والنصيحة ركن الدين: (الدين النصيحة) والله يعصمكم من بعض, ويعزكم بطاعته, ويصرف عنا وعنكم كيد الشيطان).


لقراءة البحث كاملاً، اضغط هنا