البنا وتجربة الفن
تأليف: الشيخ عصام تلّيمة 2014-06-27 03:29:01
1403861011.jpg

ربما يستغرب القارئ للوهلة الأولى من عنوان البحث، فما شأن البنا والفن، وهل فعلا كان للبنا تجربة في الفن؟ وهل هذه التجربة ثرية لدرجة أن تتناول، ويوجد فيها مادة تجعلها جديرة بالبحث؟ هذه الأسئلة التي ربما يثيرها عقل القارئ، أثارها عقلي عند دراستي للموضوع عند الإمام البنا رحمه الله، ولكني بعد أن انقدحت محاور الموضوع في رأسي رأيت أنه بالفعل موضوع حري بأن يبحث، وأن يناقش ويثار، وهو من الموضوعات القلائل التي نأى الباحثون بأنفسهم وأقلامهم عن البحث فيها، إما لوضع نتائج مسبقة قبل البحث بأن علاقة البنا بالفن لن تتجاوز حدود إصدار فتوى، أو العروج من قريب أو بعيد بالفن من حيث الحل والحرمة لا أكثر.


وقد كنت نويت أن أجعل الحديث عن البنا وتجربة الفن بما للفن من مجالات رحبة، ومن حيث تقسيم الفن إلى فنون صوتية، وحركية، ويدوية، وتناولت من الفنون الصوتية: فن الغناء والإنشاد، وفن النكتة. ومن الفنون الحركية: فن التمثيل.  ومن الفنون اليدوية: فن التصوير والرسم الكاريكاتوري. ولكني وجدت أن صفحات البحث ستطول كثيرا، إذا أفردت لكل ألوان الفن عند البنا وجماعة الإخوان المسلمين حديثا مفصلا، فاكتفيت بالحديث عن فن التمثيل ومسرح الإخوان.


مكانة الفن في دعوة الإخوان


لم يقف البنا من الفن مجرد المنظر أو مبدي الرأي الفقهي، أو الداعي نظريا إلى تبني الفن، دون الولوج إلى ذلك عمليا، بل ربما سبق عند البنا جانب التطبيق الجانب التنظيري، وليس معنى ذلك أن البنا لم يكن معنيا بذلك، بل لم يكن معنيا بالوقوف كثيرا عند الإسهاب في التنظير، ما دام قد اقتنع بشرعية فعل الشيء، وهذا ما حدث مع الأستاذ البنا رحمه الله، فقد جعل للفن مساحة ليست بالصغيرة في دعوة الإخوان المسلمين، فأنشأ فرقة مسرحية ـ بل فرقا مسرحية ـ لعل أبرزها وأشهرها فرقة القاهرة، فقد أنشأ الأستاذ البنا في معظم شعب الإخوان المسلمين فرقا مسرحية، كشعبة السيدة عائشة والتي قدمت عددا من المسرحيات للناس، منها ما هو تاريخي، ومنها ما هو خلقي، ومعظمها كان من اللون الفكاهي النظيف الراقي.


بل إن أول رسالة صدرت تهاجم الفن والتمثيل عند جماعة الإخوان المسلمين، كانت بسبب مسرحية قامت بها شعبة طنطا، وقد نما إلى علم المؤلف أن هذه الفرقة المسرحية في شعبة طنطا، قد قامت بتمثيل قصة (الذبيح إسماعيل عليه السلام) وأنهم جاؤوا على المسرح بكبش، ومثلوا شخصية إسماعيل عليه السلام، مما حدا بالمؤلف أن يهاجم هذا الموقف، ويهاجم أن يكون في دعوة إسلامية فرقة مسرحية من الأساس، اعتمادا على أن التمثيل يرتكز بالأساس على الكذب، والكذب كبيرة من الكبائر، لا يجوز للمسلم أن يتخذها سلوكا ولا مهنة، حتى وإن كانت من باب الترفيه!


كما كان للأستاذ البنا نهج في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية، لم أره في أي صحيفة إسلامية أخرى في مثل هذا الوقت، ولا فيما بعد، فقد كان يكتب في إحدى صفحات الجريدة اليومية برامج الإذاعة المصرية، بداية بالقرآن الكريم، ومرورا بأغاني عبد الوهاب وأم كلثوم، وغيرهما، وكان يضع تحت عنوان الباب قوله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) الإسراء:36.


مسرح الإخوان المسلمين


يعتبر مسرح الإخوان المسلمين أول مسرح تنشئة جماعة إسلامية في مصر، فقد نشأ في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، وقد تولى هذا الأمر الأستاذ عبد الرحمن البنا ـ شقيق الأستاذ البنا ـ المعروف بميوله الأدبية، والذي صدر له عدة مسرحيات ومؤلفات أدبية، وكانت أولى مسرحيات مسرح الإخوان المسلمين؛ مسرحية (جميل بثينة) وقد أنتجت المسرحية (لجنة تشجيع التمثيل) التابعة لوزارة المعارف ـ التربية والتعليم ـ وقررت إخراجها على نفقتها عام 1934م. وقد نجحت المسرحية الأولى للإخوان المسلمين نجاحا مبهرا، مما حدا بأحد الباحثين وهو الدكتور شوقي قاسم في رسالته للدكتوراه (الإسلام والمسرح المصري) يقرر: أن مسرحية جميل بثينة قد صارت موضع المقارنة مع درة أمير الشعراء (مجنون ليلى).


هذا عن دلالة نجاح المسرحية من حيث التأليف، أما من حيث الحرفية المسرحية فيكفي أن نقف على أسماء النجوم المشاركين في المسرحية، فمنهم: جورج أبيض، وأحمد علام، وعباس فارس، وحسن البارودي، وفتوح نشاطي، ومحمود المليجي. ومن العناصر النسائية: فاطمة رشدي، وعزيزة أمير.


تبع هذا العمل عدة أعمال أخرى، وبدأ الأستاذ البنا في تعميم تجربة إنشاء الفرق المسرحية، من المحترفين أو الهواة على حد سواء، كانت الفرقة الأم الكبرى في القاهرة، وكانت هناك فرق أخرى عن طريق قسم الطلبة في الإخوان، وذلك بتمرين طلبة القسم الثانوي على الأداء المسرحي، وتم تعميم الفكرة على معظم شُعب الإخوان في بقية المحافظات، لتكون بديلا للريف المصري والمناطق النائية عن المسارح والسينمات، ولغرس أهداف وقيم تصل سريعا عن طريق الفن، أكثر من أي وسيلة أخرى، وقد ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم تجربته الشخصية في هذا المجال المسرحي، يقول رحمه الله:


(لم يكن بـ (فوة) في تلك الأيام أية مؤسسة من مؤسسات الترفيه، فلا سينما ولا مسرح، وقد رأيتها فرصة سانحة لنقل الأفكار الإسلامية إلى عقول الفلاحين وعقول الناشئة وأهليهم، فصغت من أحداث نفي مشركي قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولبني هاشم في شعب من شعاب مكة مسرحية. وكنت قبل قد وضعت أحداث معركة القادسية في مسرحية طويلة، وكانت هاتان المسرحيتان باللغة الفصحى، فرأيت أن أضع بجانب ذلك مسرحية باللغة العامية لتخاطب عامة الناس، وجعلت هدفها معالجة ما درج عليه الفلاحون، وفي ذلك الوقت من الاستدانة بالربا من اليهود الذين أنشأوا مكاتب في المدن ويبعثون بمندوبهم إلى القرى والعِزَب للإيقاع بهؤلاء الفلاحين العوام، ولما كانت مسرحية القادسية طويلة فقد اجتزأت بفصلها الأخير.


وقد استغرقت وقتا طويلا في تدريب مجموعة من شباب الشعبة على التمثيل حتى أتقن كل منهم الدور الذي أسند إليه تمام الإتقان.


وقد أدت الفرقة التي كونها الأستاذ محمود عبد الحليم في بداية الأربعينيات في ريف البحيرة أكثر من مسرحية، وكان من ثمرتها: أن عدلت من مسار كثير من الناس، وكانت سببا في افتتاح شُعَبٍ كثيرة على حد قوله.


واستمر مسرح الإخوان المسلمين في تقديم أعماله، بل رأينا من بين فنانيه عددا ليس بالقيل من عمالقة الفن المصري فيما بعد، مثل: عبد المنعم مدبولي، وإبراهيم الشامي، وسراج منير، ومحمود المليجي، ومحمد السبع، وعبد البديع العربي،  وشفيق نور الدين، وسعد أردش، والأخوان: حمدي غيث، وعبد الله  غيث، وإبراهيم سعفان وغيرهم.


لقراءة البحث كامل، اضغط هنا